عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
175
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « 1 » وسلم المعراج إلى هذه الرقيقة هو سرّ الشريعة والحقيقة . وأما النوع الآخر : فهو السحر الأحمر المودع في الخيال والتصوير والمستور في الحق يحجب الباطل والتزوير ، هو معراج الخسران وصراط الشيطان إلى مستوى الخذلان كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً ، حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً « 2 » فينقلب النور نارا والقرار بوارا ، فإن أخذ اللّه بيده وأخرجه بلطيفة ما أيده جاز منه إلى المعراج الثاني ، فوجد اللّه عنده ، فعلم حينئذ مأوى الحق وما به تميز في مقعد الصدق عن طريق الباطل ، ومن يذهب ذهابه وأحكم الأمر الإلهي فوفاه حسابه ، وإن أهمل في تلك الدار وترك على ذلك القرار نفخ ناره على ثياب طبائعه فأهلكها ، ثم طلع دخانه إلى مشام روحه الأعلى فقتلها ، فلا يهتدي بعدها إلى الصواب ولا يفهم معنى أمّ الكتاب ، بل كل ما تلقيه إليه من معاني الجمال أو من تنوعات الكمال يذهب به إلى ضيع الضلال ، فيخرج به على صورة ما عنده من المحال ، فلا يمكن أن يرجع إلى الحق رجعا أولئك الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً « 3 » . ولقد كنت غرقت في هذا البحر الغزير ، وكاد يهلكني موج قعره الخطير ، وأنا يومئذ في سماع بمدينة زبيد عام تسع وسبعين وسبعمائة ، وكان هذا السماع في بيت أخينا الشيخ العارف شهاب الدين أحمد الرداد ، وكان شيخنا أستاذ الدنيا القطب الكامل والمحقق الفاضل : أبو المعروف شرف الدين إسماعيل بن إبراهيم الجبرتي حاضرا يومئذ في السماع ، فناديت بأعلى صوتي : اللهمّ إني أعوذ بك من العلم المهلك ، أدركني يا سيدي أدرك ، فكان يراعيني الشيخ في نفس السماع مراعاة من له على الأمر اطلاع ، فنقلني اللّه ببركته إلى المعراج القويم الذي هو على الصراط المستقيم صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ « 4 » إلا أن بين المعراجين لطيفة لكنها في لطفها عظيمة شريفة ، فلو أخذنا في بيانها أو بيان من رجع لعدم عرفانها ، أو شرحنا حال من هلك من الأولياء في بحارها فانطبع نوره بنارها ، لاحتجنا في ذلك إلى بسط يكثر عدده ويطول مدده ،
--> ( 1 ) آية ( 82 ) سورة يس . ( 2 ) آية ( 39 ) سورة النور . ( 3 ) آية ( 104 ) سورة الكهف . ( 4 ) آية ( 53 ) سورة الشورى .